ابن سيده
343
المحكم والمحيط الأعظم
فهذا أسَدُّ وأصْوبُ من أن يُذْهَب إلى أن قولهم « حروف المُعْجَم » : بمنزلة قولهم : « صلاةُ الأُولى ، ومَسْجِد الجامع ، لأن معنى ذلك : صلاةُ السَّاعة الأولى ، أو الفَريضة الأولى ، ومسجد اليومِ الجامع ؛ فالأُولى غير الصلاة في المعنى ، والجامع غير المسجد في المعنى ، وإنما هما صفتان حُذِفَ مَوْصُوفهُما ، وأُقِيما مُقامَهُما ، وليس كذلك حروف المُعْجَم ، لأنه ليس معناه حروف الكلام المُعْجَم ، ولا حُروف اللَّفظ المُعْجَم ، إنما المعنى أن الحروف هي المُعْجَمة ، فصار قولنا حروف المُعْجَم ، من باب إضافة المفعول إلى المصدر ، كقولهم : هذه مَطِيَّة رُكوب : أي من شأنها أنْ تُرْكَب ، وهذا سَهْم نِضال : أي من شأنه أن يُناضَل به . وكذلك حروف المُعْجَم : أي من شأنها أن تُعْجَم . * فإن قيل : إن جميع هذه الحروف ليس مُعْجما ، إنما المُعجم بعضُها ؛ ألا ترَى أن الألف والحاء والدال ونحوَها ليس مُعْجما ، فكيف استجازوا تسمية جميعِ هذه الحروف حُروف المُعْجَم ؟ قيل له : إنما سُمّيت بذلك ، لأن الشكل الواحد إذا اختلفت أصواته ، فأعْجَمْتَ بعضها ، وتركتَ بعضها ، فقد عُلِم أن هذا المتروك بغير إعجام ، وهو غير ذلك الذي من عادته أن يُعْجَم ؛ فقد ارتفع أيضاً بما فعلوه الإشكال والاستبهام عنهما جميعا . ولا فَرْق بين أن يزول الاستبهام عن الحرف بإعجامٍ عليه ، أو ما يقوم مَقام الإعجام في الإيضاح والبيان ، ألا تَرى أنك إذا أعجمت الجيم بواحدة من أسفل ، والخاء بواحدة من فوق ، وتركتَ الحاء غُفْلا ، فقد عُلِم بإغْفالها أنها ليست بواحدة من الحرفين الآخرين ، أعنى الجيم والخاء ، وكذلك الدال والذال ، والصاد والضاد ، وسائر الحروف . فلمَّا استمرّ البيان في جميعها ، جاز تسميتها « حروف المُعْجَم » . * والأعْجَم : المُسْتَعْجِم الأخرس . * والعَجماء : كلّ بهيمة . وفي الحديث : « جُرْحُ العَجْماء جُبار » « 1 » : أي لا ديَة فيه ولا قَوَد . وصلاة النهار عَجْماء : لإخفاء القراءة فيها . * واسْتَعْجم الرجلُ : سَكَت . واسْتَعْجمت عليه قراءَته : انقطعت ، فلم يقدر على القراءة ، من نُعاس . ومنه حديث عبد اللّه : إذا كان أحدكم يُصَلِّى ، فاسْتَعْجمَتْ عليه قراءتُه ، فَلْيَنَمْ « 2 » . وكذلك اسْتَعْجمت الدارُ عن جواب سائِلِها : قال امرؤ القَيْس : صَمَّ صَدَاها وَعَفا رَسْمُها * واسْتَعْجَمتْ عَن منْطِقِ السَّائلِ « 3 »
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري ( ح 6912 ) وفي غير موضع ، ومسلم ( ح 1710 ) . ( 2 ) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ( 1 / 170 ) . ( 3 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 255 ؛ ولسان العرب ( صمم ) ، ( عجم ) ، ( صدى ) ؛ وتهذيب اللغة -